السبت 06 شعبان 1439
الحدث
المداخل التاريخية و الثقافية لبناء فكرة الوحدة الترابية المغربية من خلال وجهة نظر الأستاذ الإطار الباحث سعيد توبير في مادة الفلسفة و علم الاجتماع
11:23 26 دجنبر 2017
المداخل التاريخية و الثقافية لبناء فكرة الوحدة الترابية المغربية من خلال وجهة نظر الأستاذ  الإطار الباحث سعيد توبير  في مادة الفلسفة و علم الاجتماع المداخل التاريخية و الثقافية لبناء فكرة الوحدة الترابية المغربية من خلال وجهة نظر الأستاذ  الإطار الباحث سعيد توبير  في مادة الفلسفة و علم الاجتماع


موقف العروي نموذجا

يعود أصل هذا المقال، إلى مداخلة بمناسبة فعاليات الندوة الفكرية، التي كانت في موضوع "الصحراء مغربية و ستظل كذلك ..مهما استلزم الأمر من تضحيات" و التي تشرفت "منظمة جمع شمل الصحراويين في العالم" لجهة فاس مكناس و التي يرأسها الأستاذ فوزي رحيوي بتنظيمها عشية يوم الأربعاء 20 دجنبر 2017، وتوجت بمناسبة هذا النشاط بالانخراط في التعبئة الوطنية بخصوص قضية "الصحراء المغربية".
و في سياق ذي صلة فالأستاذ فوزي رحيوي هو صحافي مهني متمرس في الميدان و له خبرة مهنية تفوق 17 سنة و هو رئيس المنتدى الجهوي للناشرين الصحفيين و رئيس قافلة الوحدة الترابية التاريخية التي نظمها سنة 2010 من مكناس نحو الأقاليم الجنوبية المغربية تحت شعار: " المغرب في صحرائه" و صاحب نداء الداخلة للتعبئة الشاملة حول القضية الوطنية و رئيس الجبهة الوطنية للوحدة الترابية ، و بالمناسبة حضي بشرف رئاسة تنسيقية منظمة جمع شمل الصحراويين في العالم بجهة فاس- مكناس و الناطق الرسمي باسم المنظمة داخل و خارج ارض الوطن. و علاقة بموضوع المداخلة فقد انصب ذ. سعيد توبير بخصوص مقدمتها على توضيح الاسباب و السياق الذي طرح فيه هذا العنوان" المداخل التاريخية و الثقافية لبناء فكرة الوحدة الترابية المغربية" كمقاربة جديدة. و في هذا الإطار فإن اهم ما يجعلها جديدة هو السياق العام الذي تتأطر فيه و هو: مظاهر التراجعات ذات الطبيعة الكارثية اقتصاديا و سياسيا و انسانيا، و التي في النهاية إلى مظاهر الفوضى و التفكك في عدد من دول الوطن العربي، و من جهة ثانية فإنها تريد ان تكون مخالفة لما يسري من كسل فكري و خمول ثقافي في شرايين بعض مؤسسات المجتمع المدني المغربي، في تناول مهمة و رسالة "التعبئة الوطنية" أو "بناء فكرة الوحدة الوطنية"، في مواجهة كل المتربصين بوحدة المغرب الترابية و استقراره السياسي و الاجتماعي، و حقه العادل تاريخيا و قانونيا و سياسيا و ثقافيا في استكمال وحدته الترابية و على رأسها قضية "الصحراء المغربية" في اطار التصفية النهائية لتركة الاستعمار المزدوج " فرنسي _ اسباني"._ أي ان عدم كفاية المقاربة السياسية لانجاز المهمة التاريخية في التأطير السياسي لقضية الوحدة الوطنية، تستدعي ضرورة الانفتاح على مقاربات اخرى لاتقل اهمية من جنس" المداخل التاريخية و الثقافية " ان روح هذه المقاربة التاريخية و الثقافية تستهدف الاعتماد على رمز ثقافي مغربي استثنائي، اقل ما يقال أنه "عميد الفكر العربي المعاصر" من خلال كتابه الاشكالي النقدي" الايديلوجيا العربية المعاصرة".
والذي قال بصدده الباحث التونسي"علي علوش" : ( الايديولوجية العربية المعاصرة يحتاج الى دراسة معمقة، و الى اكثر من قراءة. فهو يطرح العديد من القضايا الخطيرة، و يناقش العديد من المفاهيم، و يحسم في العديد من الامور الكبيرة).
من خصائص مشروع المؤرخ و المثقف المغربي عبد الله العروي: هو انه مسكون بنهضة المغرب اكثر من العالم العربي، متسائلا عن الجذور الاجتماعية و الثقافية للحركة الوطنية؟ و الجذور التاريخية التي تستمد منها الوطنية "المغربية الحديثة" جذورها؟ و كيفية اعادة بناء تاريخ المغرب بناءا على منهجية جديدة تقطع مع التأريخ الاستعماري و التقليدي المحلي فيما يخص كتابة "تاريخ المغرب"؟.
و في هذا السياق سنسائل بعض مواقفه التي تهم الرأي العام الوطني خصوصا قضية "الصحراء المغربية" و مدى امكانية مساهمتها في الرفع من الوعي الوطني لطلائع المستقبل من الشباب المغربي؟ ان العروي مسكون بنهضة المغرب اكثر من العالم العربي، و مفجوع من تأخره، ومندهش من ضعف نخبه ليقول في 1963 : ( لقد ولدت محاولتنا من تأمل وضع خاص: وضع المغرب اليوم، وما من شخص يتمالك نفسه من ابداء الدهشة ازاء العجز السياسي و العقم الثقافي).
و اما في اخر كتاباته "استبانة" في2017 فقد نبه الدكتور عبد الله العروي الى خطورة بروز احداث و خطابات تصب كلها في اتجاه نقد الاسس التي قامت عليها الوحدة الوطنية في ادلوجة و عمل الحركة الوطنية، تلك الوحدة التي كانت عاملا حاسما في مواجهة اخطر تحدي طرح على المغرب عندما صار معرضا للزوال كأمة قائمة بذاتها، و التشتت على النحو الذي فرضه الاستعمار وتصوره منظروه.
انه المؤرخ و المثقف المغربي الذي اعاد كتابة " تاريخ المغرب" بطريقة مغربية، و التي اجتهد فيها لكي يكشف عيوب التأريخ الاستعماري و التقليدي في الان. و قد سبق و ان صرح في احد حوارته الاعلامية في 1995 بان الوطنية المغربية تعني عنده الهم الاصلاحي العام، الذي يقع عليه الاجماع. و متحفظ بالنسبة للاصلاح القطاعي الجزئي، ليجعل من المدخل الثقافي العام الاساس لكل اصلاح سياسي ممكن. لانه ظل منشغلا بسؤال حارق لم يفارقه: ما السبب في كون الاستقلال الذي حققه المغرب كان بوحدة الصف، و انه لم يستطع ان يحافظ على تلك القوة بعد الاستقلال في استكمال الوحدة الترابية ؟ يرى في كتاب"مجمل تاريخ المغرب" على ان شباب المغرب مبهور بالحاضر بالاقتصاد و الاجتماع و السياسة، دون ان يتساءل عن الصورة التي يرسمها الاجانب عن ماضي المغرب، اذا ما كانت تؤثر ام لا في النهاية في قولبة الحاضر؟ على اساس انه يريد الاجابة على سؤال راهن متصل بطبيعة العلاقة التي تربط اليوم المواطن المغربي المهتم بالمستقبل بمجموع تاريخ المغرب. اما فيما يخص موقفه من قضية الصحراء المغربية: فقد عبر منذ ذلك الوقت بحكم علاقاته مع نخب الجبهة الوطنية لتحرير الجزائر، انها كانت مخطئة عندما عاكست المغرب في وحدته الترابية و ان من الضروري ان تدافع المملكة بكل قوة عن وحدتها الترابية.
ولذلك يوضح من خلال مقاله المعنون بالفرنسية" الجزائر و الصحراء المغربية" ان حدث المسيرة الخضراء كان بمثابة واقعة سايكلوجية عامة: ساهمت في عودة الوعي التاريخي المغربي الى ذاته، بعدما هضمت الذاكرة الجماعية المغربية سر استمراريتها و تفاعلها مع روح الوحدة المركزية من خلال الكفاح و الدفاع و التحرير في مغرب غربه محيطيا و شرقه متوسطيا، ضد كل انواع الاطماع الاستعمارية التي رافقت تطور المغرب من الانحطاط الى الاصلاح. لا ننفى غزو الرومان قديما و محاولات اللايبريين في العصر الوسيط او المد العثماني في العصور الحديثة. قل انها : روح المغاربة الجماعية .
و عليه فان العروي يعتبر ان عودة المغرب الى المطالبة بالصحراء المغربية لتصفية الاستعمار الاسباني، و الذي افضى الى ملحمة شعبية و سلمية وطنية" المسيرة الخضراء"؟ لقد نوه العروي كذلك بالقيادة و الفكرة و الاسلوب، كما ثمن فيها جرأة الملك الحسن الثاني السياسية و الشجاعة الديبلوماسية و التخطيط الاداري التي خاضها في تنظيم ملحمة تاريخية ووطنية اسمها " المسيرة الخضراء" والتي اصبحت نبراسا للرأي الدولي و الشعب المغربي في فلسفة السلمية و استرجاع الحقوق بالطرق المشروعة : (تحريك 350.000 من المواطنين بتوفير كل من النقل و التغذية و الصحة في جغرافية قاحلة امام انظار العدو) ؟ وبطريقة غاية في الذكاء على مستوى التخطيط و التنفيذ تفادت المسيرة التاريخية النموذجية كل مظاهر الانحراف او العنف، انه الحدث الروحي التاريخي الذي يؤكد اهمية الثنائية السرمدية "ثورة الملك و الشعب" في استرجاع السيادة الوطنية الترابية.
يتدخل التاريخ في نظره من جهة، ان حدث المسيرة هو بمثابة نفس الوضعية المشابهة لما شهده المغرب في كفاحه ضد الغزاة الايبريين في 1578، أي في معركة وادي المخازن التي ساهم فيها المغاربة من جميع الجهات لانقاده من الكارثة. ونفس الشيء وقع في 1859 عندما خرجت قوات اسبانية تريد ان تنتجع في شمال المغرب عبر استهداف مدينة تطوان، ليعلن الجهاد أي الكفاح و الدفاع و التحرير حتى في الاطلس المتوسط، الذي لم يكن فيه المخزن يمارس سلطة مباشرة عليه في ذلك الوقت، ليهب المحاربون و المقاومون لرد الغزو الاسباني و ارجاعه الى ادراجه. اذن قد يسعفنا التاريخ او الذاكرة في استحضار الوطنية كتحول في الوعي الجماعي المغربي، الذي تنمحي فيه كل الاختلافات العمرية و السياسية و التقنية. و لذلك يقول : " عندما تهضم الذاكرة الماضي يصبح النسيان خطأ". و اما فيما يخص الحجج التي يعتمد عليها في طرحه حول مغربية الصحراء تاريخيا و ثقافيا فهي كالتالي: _فرضية "الصحراء المستقلة" غير صحيح في نظره، من جهة ان المفهوم الجغرافي لا يمكن ان ينتج "اقلية سياسية" . ذلك ان واقع الحال يثبت بما لايدع الشك: ان هناك صحراء جزائرية، ليبية، تونسية، سودانية و صومالية، و لماذا فقط بناء دولة مستقلة في الصحراء الغربية المغربية مع ان هناك صحراء غربية مصرية؟ _اذا كانت اسبانيا تقر في تقاريرها ان عدد سكان الصحراء لا يتجاوز عددهم 50.000 اغلبهم من البدو الرحل. فما هي القاعدة التي ستبنى عليها دولة مستقلة و دائمة؟ و اما تاخيرها عن اتخاذ موقف الجلاء كان بسبب رغبتها في الحصول على التعويض المناسب.
_ لم تقدر اسبانيا على رد مطالبة المغرب من لجنة "تصفية الاستعمار" بالجمعية العامة لامم المتحدة بفتوى قانونية من طرف محكمة العدل الدولية حول استرجاع المغرب لاقاليمه الجنوبية. ولذلك يرى ان السبب الوجيه الاول هو المكانة المهشمة التي كانت تحتلها اسبانيا فرانكو في الرأي العام انذاك في الامم المتحدة بسبب الجرائم التي تم اقترافها فيما يخص حقوق الانسان في اسبانيا" الحرب الاهلية" و الجرائم المقترفة في حق ابناء المقاومة المغربية. فاذن المسيرة الخضراء، اعادت للدولة التاريخية المغربية ثقتها بنفسها، بعدما عاني المغرب في نظره من تقسيم لا يرحم رغم الضمانات التي منحت له من لدن الدول العظمى و من بينها فرنسا و اسبانيا في مؤتمر مدريد 1880 و الجزيرة الخضراء في 1906. ليخلص في النهاية ان الموضوع الحقيقي في لاهاي كان بالضبط هو موضوع "الدولة التاريخية المغربية".
رهان التاريخ و الثقافة في مشروع العروي: التاريخ: لا احد من المغاربة تنطلي عليه حيلة الشعار السياسي لقرارات مؤتمر "الجزيرة الخضراء 1906" القاضي بالاصلاح، الحداثة و تدويل الاقتصاد المغربي، و الذي يجعل المملكة المغربية تحت حماية القوى الأوروبية الاستعمارية الرئيسية الاثني عشر وضمنها فرنسا، المملكة المتحدة، إسبانيا، المانيا وإيطاليا.
وعليه لابد من تجذير تاريخي يعمق الشرعية التي يفترضها المطلع على قضية الوحدة الترابية كوجود تاريخي " دولة و مجتمعا" قبل بداية التنافس الاستعماري الاوربي حول المغرب. اذا كان المثل يقول على "ان الشجرة التي ليس جذور ليس لها ظلّ".
فالمغرب الاقصى كما يقول الدكتور عبد الله العروي له وضعية خاصة لأن هناك ملك اعترف له بالامامة منذ زمان، كما انه ينتمي الى اسرة مالكة شريفة، انه واقع و إرث من الماضي.
و بالتالي علينا ان نفكر على اساس هذا الواقع السياسي الحامل للشرعية و الرمزية التاريخية و الدينية، أي اننا متشبتون برؤية لملكية دستورية بالفعل، دورها هو حماية الحداثة ضد القوى التقليدية والمحافظة.
وعليه فان من واجب المدرسة المغربية عموما ان تجعل "الوحدة الترابية" في بؤرة البرامج و المناهج التربوية و بالخصوص مادة التاريخ. اما المجتمع المدني و الاحزاب فمهمتها اليوم هي تعبئة الجميع من أبناء الشعب المغربي عبر المجتمع المدني باعتماد الدبلوماسية الشعبية لتعميق الشعور بالوطنية العقلانية في تاريخها و ثقافتها و العمل على فضح المغالطات التي بات يروج لها إعلام أعداء الوطن. الثقافة: فالعروي مافتئ يلح على ضرورة استيعاب الفكر العربي لمكاسب العقل الحديث من موضوعية و فعالية و انسية، ولكن هذا الاستيعاب مهما تأخر سيبقى في جدول الاعمال، كلما تأخر كلما تشابكت الاوضاع و ضعفت فعالية المجتمع العربي ككل.
وعليه فان ما نقصده برهان الثقافة "الهنا و الان" هو تأثيت الحالة الوطنية من حيث الحفاظ على التوهج الذي و اكب المسيرة الخضراء. أي يجب على "المثقف المغربي" أي يتحول من معارضة الدولة الى معارضة كل شيء يمس بمصلحة الدولة، أي المجموع المعبر عن المصالح الجماعية.
أي الدعوة الى تحصين هذا الخيار من استنبات المقومات الثقافية، التي من شأنها ان تقوي صلب الهيكل الوطني عبر القيم الداعمة لفكرة الوحدة بناءا على ضرورة تقريب المحلية و الجهوية من الشعب المغربي في افق الانصهار الطوعي و التكاملي ضمن الثقافة الوطنية الجماعية.
ناهيك عن العمل على بلورة برنامج وطني يعيد الاعتبار للثقافات المحلية في نسيج الثقافة الوطنية على قاعدة الثتمين و الاحترام في افق التطوير و التحديث المستجيب لمتطلبات العصر و مستقبل الجهوية المتقدمة.
كما يجب ان نركز في النهاية على مسألة مهمة جدا وهي الانكباب بجدية من طرف الباحثين و المهتمين و مراكز البحث الجامعية على كل ما ينشر و يوزع و يشاهد لدى خصوم و حدتنا الترابية .
بقلم ذ. سعيد توبير /جريدة ميزة بريس الالكترونية