الجمعة 10 شوال 1439
مراسلات خاصة
رمضان وحالة الاستثناء بمكناس.
15:33 24 يونيو 2015
بقلم ذ.محسن الأكرمين
رمضان وحالة الاستثناء بمكناس.

مكناس مدينة التناقضات الاجتماعية بوحدة قياس الوعي السياسي والانتماء الاجتماعي ، ثم بوحدة قوة حضور النفوذ والحظوة الريعية أو الاعتبارية . إنه تضارب وعي مدينة بين ماض مجيد وتحديات مستقبل لم تقدر المدينة على مواجهتها - لحد الآن - لعدة أسباب تحمل البصمة الجينية لأهل الحل والعقد الذين تداولوا على السلطة التدبيرية بالمدينة ، وأخرى موضوعية مرتبطة بالتحولات الهيكلية لخريطة الجذب والاستقطاب النفعي وغيرها . إنها التمايزات السوسيومجالية، أولا من حيث الميكانيزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتحكمة في تنظيم المجال بمدينة مكناس ،وثانيا من حيث التحولات التي لحقت وحدة المدينة القديمة ومسألة الاندماج الاجتماعي أو تنافره .
تمايزات أطبقت سدادة طنجرة الضغط على مدينة مكناس وجعلت من نسخة المدينة الحضرية نسخة مشوهة غير متجانسة مجاليا / اجتماعيا . مدينة يوما عن يوم تتخلي عن الزعامة (العاصمة الإسماعيلية /المركز الاستراتيجي ...) لصالح مدن الساحل وما جاورها ، أو في إطار الدفع السريع بنمط الجهوية المتقدمة وافتقاد المدينة لمركزيتها القيادية .
في كل صبيحة فجرمن أيام الصيام الرمضاني بمدينة مكناس تعلن حالة الاستثناء الطوعية بطلقات مدفع الإمساك . إنها حالة ترسيم حظر التجول الإرادي الذي يسود المدينة بجل أحيائها من الشعبي إلى الكولونالي . إنها انعكاس وفيٌ لأثر الخمول الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي الذي جبلت عليه المدينة بالتلقيح ، و تمت محاصرة مكناس به وتعايش سكانها معه بالتوافق والملاءمة السلبية ...
حين تتجول بمكناس تشم رائحة الصوم وقد أسدل ظله على المدينة نهارا وفرض سلطته الضاربة بملازمة أسرة النوم بالمنازل والفوز بها . حركة إن لم نقل منعدمة فهي قليلة إن أحصيناها ، وهمت كل من يرتبط رزقهم اليومي بوجوبية الخروج إلى الشارع والسعي الحثيث نحو سوق العمل الراقد هو الآخر. وترى القوم في خفة من مشيتهم يقتفون اثر ظل الأسوار الآيلة للسقوط .
"مكناس طاجينها حامي ..." وهو ما قاله مولاي عبد الرحمان المجذوب في حق حاضرة مكناس . نعم الطاجين الاجتماعي أصبح أشد حرارة بفعل الضغوطات الحياتية الملازمة للساكنة بانتكاسة الوضعية المادية وتدني المستوى المعيشي لغالبية الأسر، وبفعل ازدياد قوة حرارة شمس الصيف التي تلتحف يوميا بوضعية الصيام زي حماة حالة الاستثناء بالشارع العام ، خوفي الكبير من لازمة تتمة كلام المجذوب "..وفي السماء طارو شقوفو " وهذا الذي لا نرتضيه بتاتا لمدينتنا الوفية .
تنظر إلى وجوه المارة صباحا فلا تجد فيها إلا شرود النوم وبؤس حيلة اليد ،لا تجد فيها إلا قول إن أخاك بالتوكيد قد لفظه سرير النوم مجبرا إلى الشارع . فكرت في الشهر الكريم وسلطته القوية في فرض حالة الاستثناء دون أن تتحدث عليه التقارير الحقوقية الوطنية والدولية أو هيئة الأمم المتحدة . هنا اكتشفت قوة شهر رمضان الاعتبارية من حيث أن سلطته تعتلي منصة المآذن ويصبح الركوع والسجود يمارس حتى بأبواب المساجد .
رمضان الأبرك وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر جعلت أهالي مكناس لباسهم يتناغم مع الأثر التقليدي ...فمن السراويل إلى الجلابيب واعتمار الطرابيش التقليدية . انه التحول بنقطة متم الدائرة ...فمن حلق اللحي يوميا إلى إسدالها وكأننا نعطي عطلة لشفرات الحلاقة إلى ليلة الإفطار.
رمضان المكناسي وبه التعميم بنمذجة الجر على مجموع الوطن . جميع حالات "الترمضينة" موجودة ، و"التشرميل" سهمه يعلو بكثرته . البسمة والنكتة تطلق كليا إلا ما نذر وقل منها في سمر ليالي رمضان تحت الأضواء الخافتة... فقبل الإعلان عن بزوغ هلال الشهر الكريم تتحرك الأسر نحو الأسواق إنها حرب ضروس تمارس ضد الجوع القادم هذا المعتقد التحولي الخاطئ هو الذي أفقد رمضان قيمته الدينية التضامنية . الإسراف والتبذير يحيط موائد إفطارنا ، وتركب عليه حتى إشهارات القنوات التلفزية وتمطرنا بالإطناب الممل إلى فتح أيدينا كل الفتح ...السلع تزداد أثمنها والطلب يستوفي البضائع المعروضة ، وحملات المراقبة تفعلها وزارة الداخلية بكاميرات متحركة وكأن الغش والتدليس لا يسكن إلا في شهر رمضان الكريم فقط .
كل نهار صيام يحمل طقوسا وعادات في المعتقد الشعبي ، وكأننا نتبع أجندة مضبوطة لا محيد عنها (العواشر / الفضيلة...) . فيما النسيج الاجتماعي المكناسي لحقت به تباينات جلية بين ثلة اليمين وطفرة العبادة ولو بالتعود والعادة وبين ثلة الحداثة والمزاوجة بين قضاء الفرائض وعدم نسيان النصيب من الدنيا.
بصرف النظر عن دوافع ما يرتضيه كل واحد منا تجاه شهر الصيام الأبرك ...فإننا بحق نتحد بصيامه وقيامه وهي الخاصية التي نتقاسمها سويا بيننا ووصلة التقوى هي التي تميز بيننا ، وتبقى أخلاق العناية معلقة إلى حين ...
بقلم ذ.محسن الأكرمين